الآلوسي
316
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
معناه بتقدير شيء فيرتفع الوثوق بمعاني النص ، وأيّا ما كان - فعمرك - مبتدأ محذوف الخبر وجوبا أي قسمي أو يميني أو نحو ذلك ، والعمر بالفتح والضم البقاء والحياة إلا أنهم التزموا الفتح في القسم لكثرة دوره فناسب التخفيف وإذا دخلته اللام التزم فيه الفتح وحذف الخبر في القسم ، وبدون اللام يجوز فيه النصب والرفع وهو صريح ، وهو مصدر مضاف للفاعل أو المفعول ، وسمع فيه دخول الباء وذكر الخبر قليلا ، وذكر أنه إذا تجرد من اللام لا يتعين للقسم ، ونقل ذلك عن الجوهري ، وقال ابن يعيش : لا يستعمل إلا فيه أيضا وجاء شاذا « عملي » وعدوه من القلب ، وقال أبو الهيثم : معنى لَعَمْرُكَ لدينك الذي تعمر ويفسر بالعبادة ، وأنشد : أيها المنكح الثريا سهيلا * عمرك اللّه كيف يلتقيان أراد عبادتك اللّه تعالى فإنه يقال - على ما نقل عن ابن الأعرابي - عمرت ربي أي عبدته ، وفلان عامر لربه أي عابد ، وتركت فلانا يعمر ربه أي يعبده وهو غريب . وفي البيت توجيهات فقال سيبويه فيه : الأصل عمرتك اللّه تعالى تعميرا فحذف الزوائد من المصدر وأقيم مقام الفعل مضافا إلى مفعوله الأول ، ومعنى عمرتك أعطيتك عمرا بأن سألت اللّه تعالى أن يعمرك فلما ضمن عمر معنى السؤال تعدى إلى المفعول الثاني - أعني الاسم الجليل - فهو على هذا منصوب ، وأجاز الأخفش رفعه ليكون فاعلا أي عمرك اللّه سبحانه تعميرا ، وجوز الرضي أن يكون - عمرك - فيه منصوبا على المفعول به لفعل محذوف أي أسأل اللّه تعالى عمرك وأسأل متعد إلى مفعولين ، أو يكون المعنى أسألك بحق تعميرك اللّه تعالى أي اعتقادك بقاءه وأبديته تعالى فيكون انتصابه بحذف حرف القسم نحو اللّه لأفعلن ، وهو مصدر محذوف الزوائد مضاف إلى الفاعل والاسم الجليل مفعول به له ، ولا بأس بإضافة - عمر - إليه تعالى ، وقد جاء مضافا كذلك قال الشاعر : إذا رضيت علىّ بنو قشير * لعمر اللّه أعجبني رضاها وقال الأعشى : ولعمر من جعل الشهور علامة * منها تبين نقصها وكمالها وزعم بعضهم أنه لا يجوز أن يقال : لعمر اللّه تعالى لأنه سبحانه أزلي أبدي ، وكأنه توهم أن العمر لا يقال إلا فيما له انقطاع وليس كذلك ، وجاء في كلامهم إضافته لضمير المتكلم ، قال النابغة لعمري وما عمري عليّ بهين . وكره النخعي ذلك لأنه حلف بحياة المقسم ، ولا أعرف وجه التخصيص فإن في لَعَمْرُكَ خطابا لشخص حلفا بحياة المخاطب وحكم الحلف بغير اللّه تعالى مقرر على أتم وجه في محله . وقرأ ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما و « عمرك » بدون لام إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ أي لفي غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين خطئهم والصواب الذي يشار به إليهم يَعْمَهُونَ يتحيرون فكيف يسمعون النصح ، وأصل العمة عمى البصيرة وهو مورث للحيرة وبهذا الاعتبار فسر بذلك ، والضمائر لأهل المدينة ، والتعبير بالمضارع بناء على المأثور في الخطاب لحكاية الحال الماضية ، وقيل : ونسب إلى ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما الضمائر لقريش ، واستبعده ابن عطية وغيره لعدم مناسبة السباق والسياق ، ومن هنا قيل : الجملة اعتراض وجملة يَعْمَهُونَ حال من الضمير في الجار والمجرور ، وجوز أن تكون حالا من الضمير المجرور في سَكْرَتِهِمْ والعامل السكرة أو معنى الإضافة ، ولا يخفاك حاله ، وقرأ الأشهب « سكرتهم » بضم السين ، وابن أبي عبلة « سكراتهم » بالجمع ، والأعمش « سكرهم » بغير تاء ، وأبو عمرو في رواية الجهضمي « أنهم » بفتح الهمزة ، قال أبو البقاء : وذلك على